عبد الوهاب الشعراني
127
تنبيه المغترين
( قلت ) وقد أخذ جماعة من أهل عصرنا بجانب عن هذا المقام بالكلية وجعلوا علو مقامهم بالاجتماع على الباشا والدفتردار وقاضي العسكر ونحوهم ، وصار أحدهم إذا كان في مجلس تراه يقول ، ( قلت ) للباشا : قال لي الباشا : قال لي الدفتردار ونحو ذلك ، ولكن على كل حال هم أخف ضررا ممن يقول قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كذا وكذا وهو غير صادق ، فإعلم ذلك يا أخي والحمد للّه رب العالمين . ولاية القضاء ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : أن لا يمكنوا أحدا ممن ينقاد لهم أن يلي القضاء أو شيئا من الأمانات التي لا خلاص فيها غالبا إلا أن تعين عليه ذلك بطريق شرعي لما ورد من التحذير من مثل ذلك ، وقد كان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يقول : لا تكن في هذا الزمان إماما ولا مؤذنا ولا عريفا ولا تأخذ من أحد مالا لتفرقه على الفقراء ، وكان محمد بن واسع رحمه اللّه تعالى يقول : أول من يدعى للحساب يوم القيامة القضاة فلا ينجو منهم إلا القليل ، وكل من ساعدهم فهو شريكهم في الشدة . وقد استقضى هرم بن حيان رحمه اللّه تعالى مرة فأوقد حوله نارا فمنعت الناس أن يأتوه في ذلك اليوم حتى عزل نفسه ، قال : ولما أكرهوا الإمام أبو حنيفة رضي اللّه عنه على القضاء وحبسوه كانوا يخرجونه من السجن فيضربونه أياما ليدخل في أمرهم له بالقضاء فلم يفعل حتى أنه بكى في بعض الأيام كبكاء الأطفال ثم صار يقول : كم من حق يبطله القاضي وكم من باطل يحقه ، وكان الحابس له ابن هبيرة الوزير ، وكان سفيان بن عيينة رحمه اللّه تعالى يقول : سمعت مناديا ينادي على جبل أبي قبيس أمان اللّه تعالى على كل أسود وأبيض ما عدا اثنين سفيان وفلانا الزنديق . وكان مسروق رحمه اللّه تعالى يقول في قوله تعالى : [ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ] « 1 » إنها الهدية للقاضي ، ومن أراد أن تستبعده الولاة فليقنع بالخل والملح ، وقد سمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه تعالى يقول : صارت الولايات في هذا الزمان غالبها جور وظلم ، ولو أراد الشخص أن يعدل لا يقدر على العدل لعدم استحقاق الناس ذلك ، وقد ولى القضاء رجل من معارف الشيخ رحمه اللّه فلامه الشيخ على ذلك فقال له سيدي : ما وليت ذلك إلا لآمر
--> ( 1 ) سورة المائدة : الآية 42 .